محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

701

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وهي آيات لقوم يعقلون وهم العقلاء حقّا ، المعتبرون بالآيات صدقا ؛ وإذا كان مع كلّ موجود خلقي جسماني زماني ومكاني موجود أمري روحاني غير زماني ولا مكاني ، وكان كلّ موجود روحاني لا يفتر عن تسبيحه ، وهو فعله الذي أمر به فهم يسبّحون الليل والنهار ولا يفترون ، نسب التسبيح إلى كلّ شيء وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ؛ * فهم المسبّحون حقيقة لا على أنّها على هيئة يسبّح المسبّح إذا رآها واعتبر بها ، فكذلك فيها آيات وكلمات عقلية لقوم يعقلون حقيقة لا مجازا ، ولا على معنى أنّها على هيئة يعتبر بها كلّ فاعل ؛ فإنّ ذلك صرف الآية عن الحقيقة إلى المجاز ، لعجز الناظر فيها وقصور إدراكه لها ، ومن علا إلى ذروة الحقائق لم يخف من حطّ ، كما أنّ من خاض لجّة البحر لم يطمع في شطّ . وسرّ آخر : أنّ الناظرين في خلق السماوات والأرض على وجه الاستدلال لا يظفرون إلّا بجهة واحدة وهي ( 286 آ ) الحدوث ويقولون : هو الآية الدالّة على وجود المحدث ؛ والحدوث من حيث هو حدوث لا يتنوّع آيات أنواعا مختلفة ، وقد أشعرت هذه الآيات بأنّها مختلفة الأنواع على حسب اختلاف الأفعال ؛ فخلق السماوات والأرض غير ، واختلاف الليل والنهار غير ، وكذلك سائر الأفعال ؛ فيجب أن تكون الآية في خلق السماوات والأرض غير الآية في اختلاف الليل والنهار ، ويجب أن يكون التفاضل بين الآيتين كالتفاوت بين الفعلين ، ثمّ الحدوث فيما يشاهدونه محدثا دلّ على وجود المحدث ؛ فكيف الحال فيما لا يشاهدون حدوثه ؟ أليس هو تمسّك باستقراء الحال ، والاستدلال بالجزء على الكلّ ، وبالشاهد على الغائب ، وبالمحسوس على المعقول ؟ فإن أجري أحكام الشاهد كلّها في الغائب أورث ذلك تشبيها ، وإن لم يجر حكم ما في الشاهد على الغائب أورث ذلك تعطيلا ، وإن أجري حكم دون حكم فهو تحكّم محض ؛ إذ ليس حكم أولى من حكم ؛ فلئن دلّ كلّ كتابة في الشاهد على كاتب ، وكلّ بناء على بان فيجب إجراؤه في الغائب ، فقد دلّ على كتابة في الشاهد على كاتب بيد وقلم هاد ولوح ، وهكذا ؛ فليجر ذلك في الغائب وحينئذ يصير المعقول محسوسا والغائب شاهدا ويبطل الاستدلال أصلا ، كلّا بل الآيات التي يبصرها العاقلون عن اللّه بأمره تنوّعت أنواعا ، وليست هي أبين من محدثها ؛ فيتبيّن جلاله بها ، بل هو الدالّ عليها والمبيّن لها والهادي إليها وهي آيات رحمته وآثار ربوبيته .